الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

15

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فظاهر ، وأما كون عدم إيتاء الزكاة موجبا للويل فذلك لأنه حمّل عليهم ما قارن الإشراك وإنكار البعث من عدم الانتفاع بالأعمال التي جاء بها الإسلام ، فذكر ذلك هنا لتشويه كفرهم وتفظيع شركهم وكفرانهم بالبعث بأنهما يدعوانهم إلى منع الزكاة ، أي إلى القسوة على الفقراء الضعفاء وإلى الشحّ بالمال وكفى بذلك تشويها في حكم الأخلاق وحكم العرف فيهم لأنهم يتعيرون باللؤم ، ولكنهم يبذلون المال في غير وجهه ويحرمون منه مستحقيه . ويعلم من هذا أن مانع الزكاة من المسلمين له حظ من الويل الذي استحقه المشركون لمنعهم الزكاة في ضمن شركهم ، ولذلك رأى أبو بكر قتال مانعي الزكاة ممن لم يرتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة مع المرتدين ، ووافقه جميع أصحاب رسول صلى اللّه عليه وسلّم . ف الزَّكاةَ في الآية هي الصدقة لوقوعها مفعول يُؤْتُونَ ، ولم تكن يومئذ زكاة مفروضة في الإسلام غير الصدقة دون تعيين نصب ولا أصناف الأرزاق المزكّاة ، وكانت الصدقة مفروضة على الجملة ، ولبعض الصدقة ميقات وهي الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [ المجادلة : 12 ] . وجملة وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ إما حال من ضمير يُؤْتُونَ وإما معطوفة على الصلة . وضمير هُمْ كافِرُونَ ضمير فصل لا يفيد هنا إلا توكيد الحكم ويشبه أن يكون هنا توكيدا لفظيا لا ضمير فصل ومثله قوله : وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ في سورة يوسف [ 37 ] ، وقوله : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ في سورة طه [ 14 ] . وتقديم بِالْآخِرَةِ على متعلقه وهو كافِرُونَ لإفادة الاهتمام . [ 8 ] [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 8 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 8 ) استئناف بياني نشأ عن الوعيد الذي توعّد به المشركون بعد أن أمروا بالاستقامة إلى اللّه واستغفاره عما فرط منهم ، كأنّ سائلا يقول : فإن اتعظوا وارتدعوا فما ذا يكون جزاؤهم ، فأفيد ذلك وهو أنهم حينئذ يكونون من زمرة الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ، وفي هذا تنويه بشأن المؤمنين . وتقديم لَهُمْ للاهتمام بهم . والأجر : الجزاء النافع ، عن العمل الصالح ، أو هو ما يعطونه من نعيم الجنة .